الفيض الكاشاني
44
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
تقديسه عن مشابهة الحروف والأصوات ، ومن يسافر ليستقرئ هذه الشهادات من الأسطر المكتوبة بالخطوط الإلهيّة على صفحات الجمادات لم يطل سفره بالبدن بل يستقرّ في موضع ، ويفرغ قلبه للتمتّع بسماع نغمات التسبيح من آحاد الذّرات ، فما له وللتردّد في الفلوات ؟ وله غنية ( 1 ) في ملكوت السماوات ، والشمس والقمر والنجوم مسخّرات ، وهي إلي أبصار ذوي البصائر مسافرات في الشهر والسنة مرّات ، بل هي دائبة في الحركة على توالي الأوقات ، فمن العجائب أن يدأب في الطواف بآحاد المساجد من أمرت الكعبة أن تطوف به ، ومن الغرائب أن يطوف في أكناف الأرض من يطوف به أقطار السماء ، ثمّ ما دام المسافر مفتقرا إلى أن يبصر عالم الملك والشهادة بالبصر الظاهر فهو بعد في المنزل الأوّل من منازل السائرين إلى الله والمسافرين إلى حضرته ، كأنّه معتكف على باب الوطن لم يفض به السير إلى متّسع الفضاء ولا سبب لطول المقام في هذا المنزل إلا الجبن والقصور ، ولذلك قال بعض أرباب القلوب : إنّ الناس ليقولون : افتحوا أعينكم حتّى تبصروا ، وأنا أقول : غمّضوا أعينكم حتّى تبصروا ، وكلّ واحد من القولين حقّ فالأوّل خبر عن المنزل الأوّل القريب من الوطن ، والثاني خبر عمّا بعده من المنازل البعيدة عن الوطن الَّتي لا يطأها إلا مخاطر بنفسه ، والمجاوز إليها ربما يتيه فيها سنين ( 2 ) وربما يأخذ التوفيق بيده فيرشده إلى سواء السبيل والهالكون في التيه هم الأكثرون من ركَّاب هذه الطرق ، ولكنّ السائحين السالمين بنور التوفيق فازوا بالنعيم والملك المقيم ، وهم الَّذين سبقت لهم منّا الحسني ، واعتبر هذا الملك بملك الدّنيا فإنّه يقلّ بالإضافة إلى كثرة الخلق طلابه ، ومهما عظم المطلوب قلّ المساعد ، ثمّ الَّذين يهلك أكثر من الَّذي يملك ولا يتصدّى لطلب الملك العاجز الجبان لعظم الخطر وطول التعب . وإذا كانت النفوس كبارا * تعبت في مرادها الأجسام
--> ( 1 ) أي استغناء . ( 2 ) تاه يتيه أي ضل وتحير ولم يهتد إلى وجه الطريق .